مجنون يحكي، عاقل يسمع// علي الصراف , عوني القلمجي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

مجنون يحكي، عاقل يسمع// علي الصراف , عوني القلمجي

مُساهمة  المشرف العام في الإثنين نوفمبر 19, 2007 10:18 am

مجنون يحكي، عاقل يسمع
(بين رهان على المصالحة، ورهان على المقاومة)

> عوني القلمجي
> علي الصراف

لسنا سوى مجنونين ينطلقان من شعور وطني مجرد، واحساس عميق بالتفاؤل. الشعور الوطني تسنده تضحيات أربع سنوات، دفع فيها هذا الشعب العظيم ثمنا لم يدفعه أي شعب على وجه الأرض من اجل حريته (والمقارنات الحسابية قد تشهد)، والتفاؤل تسنده كل تجارب التاريخ التي تقول ان الغزاة لا ينتصرون، وان جرائم الإبادة التي يرتكبها العملاء تنقلب عليهم.
انطلاقا من هذين المعطيين اللذين لا يحتاجان الى الكثير من الجدل، نطلب من كل عاقل ان يحاكم الوضع الراهن انطلاقا من معطيات موضوعية، وعقلانية، ليخرج بالإستنتاج الذي يراه متوافقا مع المنطق.
لن نقول من جانبنا ماذا تعني مجافاة المنطق. لن نقول أيضا ان أولئك الذين قد يختارون انعدام المنطق "خونة" او "يبيعون دم الضحايا بثمن بخس" او "متخاذلين". وسنظل نعتبر أنفسنا مجانين على طول الخط. وسنترك التقدير الأخير لأصحاب الضمير الحي من مناضلي هذا الشعب، لحملة سلاح المقاومة، ولأسر الضحايا، ليقولوا كلمتهم.
نحن الآن في وضع نجد فيه أطرافا من الصف الوطني تتفاوض، على إستيحاء وخفر (خشية من ان يلحقها العار)، مع بعض عملاء الاحتلال والمستفيدين من عمليته السياسية، بحثا عن سبيل لـ"المصالحة".
وقد جرى فصل من فصول هذه "المصالحة" في القاهرة، قبل عامين وفشل، وتبعه فصل آخر في اسطنبول وبقيت نتائجه سرا، ويجري الآن فصل ثالث على شواطئ البحر الميت ولم يعلن عن نجاحه او فشله، ويُنتظر ان يجري فصل رابع، ربما في بيروت او اسبانيا في وقت لاحق، لكي يكون "ناجحا" هذه المرة.
وتعني الجهود التي تُبذل في هذا الإتجاه، اننا سنجد أنفسنا أمام معطيات على الأرض تبرر وضع ما يسمى بـ"المصالحة الوطنية" من جهة، والمقاومة المسلحة من جهة أخرى، على كفتي ميزان.
وبطبيعة الحال، فان الذين سيختارون "المصالحة" سينقلبون كليا على المقاومة (حتى ليصبحوا أدلاء ومرشدين لأعدائها)، في حين ان الذين سيختارون المقاومة سيواصلون موقفهم ذاته من حكومة الاحتلال، ولكنهم سيجدون أنفسهم تحت ضغط ميداني أشد، وستبدو مقاومتهم عملا أكثر انتحارية مما كان في أي وقت.
هذا الشرخ سيتم، بطبيعة الحال، بينما ما تزال قوات الاحتلال تملك اليد العليا. وسواء تم وضع بدعة "الجدول الزمني" للانسحاب، أم لا، فان اليد التي تحرك قرقوزات مسرح الدمى ("العملية السياسية") ستظل طويلة الى حد أنها تقدر ان تضع رأس أي أحد تحت الحذاء (لا تتذكروا محسن عبد الحميد).
السؤال الأول: هذا الشرخ، لمصلحة من سيكون؟
لن نجيب.
فنحن نسأل ليس من اجل أن نحكم على أحد. ولكن من اجل ان نحتكم للمنطق، ونعيد تدقيق الحساب، ونضع بين أيدي الجميع ما نعتبره حقائق موضوعية وأسئلة تتطلب اجابات نزيهة وخالية من الافتراضات العشوائية والأوهام والوعود الهلامية وخداع النفس.
فمن سيكون المستفيد من جر أطراف وشخصيات وطنية الى خارج خندق المقاومة؟
وما هي عواقب الشرخ ومتوالياته الهندسية؟
إذا قررت أطراف في المقاومة مواصلة القتال، ورفضت مزعوم "المصالحة"، فما الذي سيفعله أولئك "الوطنيون" (عفوا، صارت الأقواس ضرورية)؟ هل سيحملون السكاكين ليذبحوا البقية الباقية؟ هل سيقولون عنهم انهم "ارهابيون"؟ أم هل سيذبحونهم على إعتبار انهم "مقاومة غير شريفة"؟
لا تناور. ولا تبحث عن حجج واهية. ضع ضميرك أمامك، وجاوب: هل سترفع السلاح ضد رفاقك القدامى أم لا ترفعه؟ نعم؟ أم لا؟
جواب بسيط، لسؤال بسيط.
أ"جحوش" ستكونون، تعملون في خدمة "المقاومة الشريفة" (أي مقاومة "فرق الموت" التي يقودها "الشريف" مقتدى الصدر قدس الله سره بالقرب من حبل المشنقة)؟
ثم، ..
بين "الإرهاب" و"المقاومة الشريفة"، أليس ملفتا ان تبنّي مصطلحات الخصم تعني تبنّي مفاهيمه أيضا، وبالتالي ارتداء جبته وعمامته وخوذته؟
نزع الاصطلاح واستبداله ألا يساوي، عمليا، نزع الملابس واستبدالها؟ ألا يعني إنتقالاً الى الخندق الآخر مباشرة؟
إذا فكر البعض، بانه ربما سيفوز من الغنيمة بالإياب، فهل يستطيع ان يُمنع أي أحد من التطلع الى الفوز بريشة ابو ريشة؟
ما نعنيه هو: إذا تراجعتَ خطوةً، فهل تستطيع ان تُجبر غيرك على ألا يتراجع خطوتين؟ وغيره ثلاثاً؟
المقاومات المسلحة لا تتنازل قيد شعرة. ولكن هل تعرف لماذا؟
تجارب التاريخ تقول انها إذا فعلت، فانها تنهار كلياً. تلك هي المسألة. القاسم المشترك الوحيد الذي يجعل المقاومات المسلحة تندفع الى الأمام، هو انها لا تستطيع التراجع خطوة واحدة الى الخلف. لأن أي خطوة الى الوراء، مهما كانت صغيرة، تؤدي الى هزيمة شاملة ومنكرة. يتراجع الأول، فيتراجع الثاني، فالثالث، وتكون النهاية.
المقاومون عندما يختارون رفع السلاح فانهم يختارون العيش في ظرف عصيب. وهم بذلك، يدفعون مجتمعهم الى مشاركتهم كل المحنة، بأقسى معانيها، وأكثرها دموية.
هذا الظرف لا يسمح بتقديم تنازلات. الانهاك موجود دائما. ولكن أي تنازل انما يعني الإعتراف بالإنهاك. وهذا يعني رفعا للعلم الأبيض. ويعني ان كل الدم ذهب هدرا.
في المقابل، فان الموقف الصلب، بل "المتطرف"، يتحول الى قاطرة. العربة القوية تجر العربة الضعيفة، والكل يمضي قدما.
وبالمناسبة. الأمريكيون يفكرون على النحو التالي: "الرابح يكسب كل شيء. المهزوم يخسر كل شيء". وهم يحاربون في العراق، ويرتكبون المجزرة تلو الأخرى، على هذا الأساس. انهم يصورون هزيمتهم في العراق على انها ستكون هزيمة لهم في العالم بأسره. وما لم يرون تلك الهزيمة مقبلة، فانهم لن يتراجعوا. بل سيفرضوا على الطرف الآخر ان يتراجع، إغراءً بالفتات أحيانا، وبالمزيد من العنف والقسوة أحيانا أخرى.
الآن،..
إذا كنت قررت ان تقاتل قوة كهذه، فان الشيء الوحيد الذي تستطيع ان تفعله هو ان تمضي قُدماً؛ هو أن تعتبر الجحيم نعيماً، لكي تزيد عليه جحيماً؛ هو ان تضرب وتظل تضرب بكل ما لديك من أسلحة، من دون توقف، ومن دون رحمة.
مجنون فقط، هو الذي يجرؤ على ان يقاوم الولايات المتحدة. لهذا السبب لا تستطيع ان تتعقل. المنطق يقتضي ان تمضي بالجنون الى أقصاه، وتزيده جنونا. وإلا فمن حق كل الضحايا الذين سقطوا في الطريق ان يسألوك: لماذا لم تكن عاقلا من الأول؟
الفيتناميون لم يقاوموا الامريكيين بالعقل. لقد كانوا شعب مجانين.
وكذلك فعل الجزائريون.
العاقلون لا يرفعون سلاحا.
والمجانين لا يخفضون أسلحتهم إذا رفعوها.
ولقد أثبت الشعب العراقي العظيم، بالتضحيات الجسيمة التي قدمها على مذبح المقاومة، انه شعب مجانين.. ولكن أحرار، لا ينامون على ضيم، ولا يموت لهم ثأر. لا يهابون الموت من اجل الحرية، وكرامتهم لا تُهان ولا تُذل، والموت دونها أرحم.
ولا ندري من أوكل الى أي أحد الحق بهدر كرامة كل أولئك الذين سقطوا على الطريق من اجل "تسوية" مع الاحتلال و"مصالحة" مع عملائه؟
× × ×
السؤال الثاني: هل يمكن للمصالحة "الوطنية" ان تكون مصالحة مع عميل؟
الآن،..
إذا ابتدأت أي كلام مع عملاء الاحتلال تحت شعار المصالحة "الوطنية"، فانك تكون بذلك قد خلعت عليهم ثوبا غير ثوبهم، وتكون قد بدأت "الحوار" خاسرا.
قبولهم كـ"وطنيين" يعني انك تخلع عليهم الشرعية. وانك تحوّل كل جرائمهم، وأعمال نصبهم، من خيانة الى "سوء تفاهم" يمكن مسحه بجرة قلم.
العملاء والخونة من كلاب الاحتلال، الذين قادوا فرق الموت، والذين نهبوا المليارات ليقيموا عصابات وليحولوها الى أحزاب تشتري ضمائر الرعاع، والذين يتواطأون على مستقبل ومصير بلادهم مع طهران وواشنطن، والذين مزقوا البنية الاجتماعية على أسس طائفية، لكي يتخذوا منها مطية لنفوذهم، والذين وقفوا وراء كل الأعمال الوحشية للاحتلال، والذين تسببوا، بعمالتهم ونذالتهم وانحطاطهم، بقتل أكثر من مليون ضحية وتهجير خمسة ملايين آخرين، وتجويع ثمانية ملايين.... هؤلاء ليسوا "وطنيين"، ولا يمكن عقد "مصالحة وطنية" معهم. انهم كلاب فحسب. كلاب ومجرمين بالمعنى الحرفي والمجرد للكلمة.
إذا أًصبح عملاء الاحتلال والمتورطون في "عمليته السياسية" وكل الكلاب من أمثالهم، وطنيون، فنحن براء، الى يوم الدين، من هذه "الوطنية".
ثم مصالحة على ماذا؟
أمصالحة على 1200000 شهيد؟
أمصالحة على دماء خيرة المقاتلين الذين إفتدوا حرية وطنهم وشرف أمهاتهم وأخواتهم بزهرة شبابهم؟
أمصالحة على كل الخراب الذي ساقوه لبلد لم يعتبروه أصلا وطنا لهم إلا من اجل ان يخونوه ويدمروه ويعيثوا بمقدراته فسادا؟
أمصالحة على شرف الرجال والنساء الذين تحول إغتصابهم الى مناسبة لتوزيع الأوسمة؟
أمصالحة على القبور التي لم تعد تتسع جثثا؟
أم مصالحة من اجل ان يجد بعض "المُنهكين" ظلالا يستريحون تحتها في المنطقة الخضراء؟
ثم، تعال هنا. قل لنا، ما الذي سيعطونه لك؟
حصة طائفية بين حصص اقتسموها قبلك؟
تعال، إحسب. لو أخذت حصة كهذه، أفلا تكون قد خرجت من ملعب الوطنية الجامعة لتلعب لعبة الطائفية في ملعبهم؟
وكم ستكسب؟
ثلث المقاعد في برلمان يتحكم به طائفيون من الداخل، وصفويون وصهاينة من الخارج؟
وهل سيسمح العملاء من قادة المليشيات الكردية بالتخلي عن مكاسبهم في نظام الحصص العنصرية؟
وهل ستجدهم يصوتون الى جانبك عندما يناقشون تقسيم ثروات الشعب العراقي حصصا على مليشياتهم؟
أم هل تعتقد انك "شاطر" بحيث "تلعب" عليهم بـ"تكتيكاتك" العبقرية، لتنقلب بهذا على ذاك؟
هل تعتقد انك وحدك "مفتّح باللبن"؟
إذا توصلتم لقناعة بان المحتل يبحث عن مخرج (وهو ما لم يتم بعد) فلماذا لا تكون مفاوضات مع الاحتلال نفسه؟ أليس الاحتلال هو المشكلة؟ هل يمكن حل مشكلة فرعية (السلطة) قبل حل المشكلة الرئيسية (السيادة)؟ وما معنى أي سلطة، او أي شراكة في سلطة، تكون خاضعة لإملآت ومصالح الإحتلال؟
الفيتناميون تفاوضوا على هزيمة امريكا مع هنري كيسنجر. والجزائريون تفاوضوا مع شارل ديغول.
وبصراحة، فان التفاوض مع زبانية الاحتلال، فيه قدر من الوضاعة، لا تليق حتى بالعربنجية.
الدنيا مستويات أيضا.
"عوفك" من العراق ومصيره. السؤال الاكثر مصيرية هو: كيف يضع أي إنسان قويم وجهه في وجه هؤلاء اللصوص والقتلة، ولا تنتابه رغبة بالتقيؤ؟
مع ذلك، في حدود اللعبة الطائفية التي صممها الاحتلال لحساب مليشيات عملائه، ما هو أقصى مكسب يمكن الحصول عليه؟
هل أكثر من الثلث في كل شيء؟
ونحن سنتبرع لك بالباقي (الذي لا نملكه) لعلك تصل الى النصف.
ثم؟ ماذا بعد؟
هل هذا عراق؟
أمن أجل هذا، ضحى الذين ضحوا بحياتهم؟
نحن هنا، بالأحرى، أمام عراقين إثنين، مختلفين كليا وجذريا. الأول، عراق سيد حر يعود مجتمعه ليبني نفسه على أسس وطنية جامعة؛ أحزابه وطنية؛ وقيادته وطنية؛ وكل شيء فيه عراقي الهوى والهوية. والثاني، عراقٌ مغلول (حتى ولو من دون قوات أجنبية) اليد والعنق والقدم، تنهش المليشيات عظامه وتتكالب على نظامه، ممزقٌ على أسس طائفية، وكل شيء يسبح في مستنقعها، ويُسبّح بحمد عمائمها الهمجية.
الأول، هو عراق المقاومة الوطنية. والثاني هو عراق العملاء. فمن هو ذلك البهلوان الذي يستطيع أن يجمع بين الإثنين او "يُصالح" بينهما؟ ووفقا لأي فلسفة؟ وما هي الرؤية النظرية لهذه الخلطة الجهنمية؟
وانتم مثقفون، والحمد لله، ولا بد إن لديكم نظرية. فما هي؟
× × ×
السؤال الثالث: وهل هُزمت المقاومة، لكي نبحث عن مخرج منها يؤدي الى تسوية، فنقول عفا الله عما سلف؟
على مدى أربع سنوات متواليات خاضت العشرات من فصائل المقاومة قتالا ضاريا أنهك الاحتلال حتى صارت صرخات الهزيمة تتعالى في الكونغرس.
وبينما بلغ مجموع قتلى الاحتلال (المعلن) نحو 3800 قتيل و 25000 الف جريح (ومثلهم، منطقيا، من مليشيات المرتزقة)، فان الخوف ومستوى الجرائم التي يرتكبها الغزاة صار يدفع جنودهم الى الانتحار بما وصل الى اكثر من 6200 جندي في عام 2005 لوحده. أي أربعة أضعاف الرقم المعلن لقتلى الجيش الامريكي في ذلك العام. اما كلفة الغزو فانها تفوق 200 مليون دولار يوميا، بالنسبة لدولة "عظمى" بالديون، وتموّل الحرب بخفض قيمة الدولار والمزيد من القروض ونهب النفط العراقي.
فهل هذا وقت التراجع؟
هل هذا هو الوقت المناسب لكي يبدو ان الاحتلال يحصل على فرصة للتنفس، ليزعم ان هناك "نجاحات سياسية" تتكدس فوق "النجاحات الأمنية"؟
هل يجوز أصلا منح الاحتلال مجرد الإيحاء بهذا المعنى؟
هل هناك من خدع أي أحد ببدعة الدخول في "العملية السياسية" لكي "لا تبتلع ايران العراق"؟ وهل تستطيع ايران ان تبقى شهرين في العراق إذا انسحب الامريكيون؟
فلينسحب الغزاة، ولنرى كم سيبقى من عملائه ومليشياته الصفوية بعده.
ثم، ألا يستحق العراقيون مقدرا اكبر من الثقة بوطنيتهم ومشاعرهم القومية وتاريخهم، حيال نموذج ديني تافه لسلطة "ولاية الفقيه"؟
أم ان الخدعة هي مجرد توريط تحت يافطة اوهام "الضربة المحتملة" للمنشآت النووية الإيرانية؟
"نارهم تاكل حطبهم"، إذا حصلت. ولكن ماذا لو لم تحصل؟ فما الذي سنخرج به من التوريط غير الورطة؟
المقاومة لن تُهزم حتى ولو بقي فيها مقاتل واحد. فكيف وهي تعد اليوم ما يُعتقد انه 200000 مسلح (حسب تقديرات الامريكيين)؟
الإنهاك الذي يصيب قوات الإحتلال، الأحرى به أن يتعزز. والأحرى بكل أطراف الصف الوطني يتحدثوا بصوت واحد: مقاومة، ولا شيء سوى المقاومة حتى تعلن الولايات المتحدة هزيمتها من دون قيد او شرط.
المقاومة هي التي يجب ان تفرض الشروط. ودماء الضحايا يجب ألا تذهب هدرا. ولا قطرة واحدة.
والآن،..
أنظر الى كفتي الميزان. "المصالحة"، في كفة. و"المقاومة" في كفة. في كفة المصالحة (وهي غير وطنية بالمرة) سيكسب المتصالحون حطامَ بلد ليظل ممزقا وعاجزاً وخاضعاً للهيمنة. هذا هو أفضل سيناريو ممكن.
في المقابل، فان أسوأ سيناريو تقترحه المقاومة هو ان يتواصل النزيف والاستنزاف أربع سنوات أخرى او أكثر. وإذا عادت المقاومة لتستهدف شريان النهب واللصوصية الذي يغذي آلة الإحتلال، فان آلية الاستنزاف ستظل تميل لصالح المقاومة، كما هو حالها اليوم.
أما السيناريو الأفضل للمقاومة، فانه عالم بأسره. حتى المخيلة لا تستطيع ان تستوعب كل تداعياته الإقليمية والدولية. ومنها ان أول شيء سيفعله الإسرائيليون، بعد الانسحاب الامريكي الى الكويت، هو ان ينسحبوا... الى نيويورك. وسيجد وكلاء الامبريالية ومؤجري قواعدها، ان وقتهم قد أزف.
لهذا السبب أصبح التفاوض مع الفلسطينيين، بالنسبة لإسرائيل، قضية تستحق الحصول على توقيعات مبكرة.
ولهذا السبب يتسابق وكلاء الولايات المتحدة في تسويق المخاوف من تحويل إيران بعبع، لانهم يريدون ان تبقى الولايات المتحدة لتعيد ترتيب تحالفاتها بين "الشيعة" و"السنة".
ولكن بهزيمة الولايات المتحدة، ستنهزم عصاباتها الطائفية، ولن تجرؤ إيران على التقدم خطوة داخل العراق. وإن فعلت فانها ستغرق بالوحل الذي غرقت فيه الامبراطورية الامريكية.
دروس الاستراتيجيا تقول انه ما من قوة فرعية نجحت في الحلول محل قوة عظمى مهزومة.
ولذلك، لا شيء يبرر بيع مصير العراق على أساس مخاوف زائفة. فإيران لن تكسب ما خسرته أمريكا. وهي غير قادرة على تمويل او الغرق في حرب على أسس طائفية، لانها ستهزم فيها ليس في بغداد فحسب، وانما في طهران أيضا. فالفرس لا يشكلون سوى أغلبية محدودة، في مجتمع تناحرات قومية وعرقية ولغوية ودينية صامتة. "الفوضى الخلاقة" ستكون خلاقة أكثر بين الفرس (45%) والأذريين (35%) والأكراد (11%) والعرب (4%) والبلوش (3%) واللر (2%)، مما هي بين "السنة" و"الشيعة" (وهم عرب في النهاية) والأكراد في العراق.
عدونا هو الإحتلال الأمريكي أولا، وثانيا، وثالثا، وإيران رابعا.
المقاومة في العراق تعني ان مجرى التاريخ سيتغير. أمم عظمى ستصعد، وأخرى ستنزل.
وبينما يلعب المقاومون بمصائر أمم ودول، في الإتجاه الصحيح للتاريخ لإزالة آخر الوحشيات الامبريالية في عمر الانسانية، فهناك بيننا من يجرؤ على النظر الى التاريخ على انه حارة وشارع وحصة. وكأن المسألة هي مسألة فلوجة او رمادي او الأعظمية فقط.
"عرب وين، طنبورة وين".
كم مرة، في التاريخ، يطرق التاريخ عليك بابك؟
وفي مقابل هذا التاريخ، بالله على ماذا كان يجري النقاش على شواطئ البحر الميت؟ على أي حصة؟ على أي دربونة؟
العراق الذي قدم نفسه كقوة إقليمية عظمى، عراق المشروع التحرري التاريخي، عراق التوازن الاستراتيجي مع إسرائيل، عراق التأميم وثورة الإعمار ومحو الأمية والتعليم الجامعي المجاني والانجاز العلمي الباهر، هو ما كان على طاولة الغزاة. فدمروه. واحلوا محله خرابا وفوضى. وهم لا يريدون لهذا العراق ان يعود ليقف على قدميه مجددا.
أعلى هذا العراق نتفاوض، أم على حصة في وزارة عصابات طائفية؟
قبل هذا وذاك، ربما كان يجدر التساؤل: ألم يكن بوسع الشهداء ان يتفاوضوا على مصالحة؟ ألم يروا الموت حاضرا، فلم يقدموا له تنازلا بقيد شعرة؟
لقد رسم هؤلاء الشهداء بدمائهم خطاً للمبادئ والأهداف والقيم.
فليتجاوزه من يجرؤ.
وهل كان ذاك الموتُ موتاً؟
المقاومة، في حدها الأدنى، إنما تعرض مجداً. وحتى ولو بقيت له قلة قليلة، فانها هي التي ستغلب في آخر المطاف.
يقول المثل الانجليزي:
If you cannot stand the heat, get out of the kitchen
بكلام آخر: "إذا لم تكن قادرا على تحمل الحرارة، إطلع من المطبخ".
لقد جاء الغزاة وعملاؤهم على باطل. والباطل لن يدوم.
إن للباطل جولة.
وعندما يكون الباطل هستيريا وحشية تامة، فان الجنون المطلق هو الرد العاقل الوحيد عليه.
وفي الأقل، فليكن الموت مجدا.
العقلاء لا يرفعون سلاحا أصلا. والمجانين لا يخفضوه.
وبدلا من المصالحة، فان إعلان الجهاد على الانحطاط الطائفي أولى.
وبدلا من استذلال الرغبة بالتفاوض، فان تصعيد العمليات ضد الاحتلال أجدى.
وبدلا من قميئي العمالة، فان البحث عن ديغول أفضل.
وبدلا من الفوز بحصة في عراق طائفيين، فان عدم الفوز بأي حصة في عراق وطنيين أكرم.
لقد غسلنا بالدم العزيز أرضاً عزيزةً. وحرةً يجب ان تكون. ذلك هو الثمن الوحيد المقبول. وليس من اللائق بأي أحد ان تتحول المسألة الى مسألة "سوء تفاهم" ومسح طاولة.
وإذا كان هناك من يريد ان يكفّر ذنباً، فليلتحق بالمقاومة، وليشارك الوطنيين في الحرب ضد الاحتلال وعملائه. هذا هو المهر الوحيد للوطنية.
العملاء ليسوا وطنيين لكي تمكن مصالحتهم. لم نكن زعلانين معهم من قبل، ولكنهم جاؤا مع الغزاة وليضربوا بمعوله هدما بالوطن، وليقيموا عراقاً على شاكلتهم. وقد هدموا عراقنا بما يكفي لكي تقوى الدوافع لكنسهم، لا لمصالحتهم. أما الغزاة فقد اثبتوا في كل ما فعلوه انهم مجرمون، كائنة ما كانت الذرائع التي ساقوها لتبرير وحشية مصالحهم.
ومع المجرمين يجوز العقاب وتجوز المقاومة ويجوز الجنون، ولكن لا يجوز العقل ولا تجوز "المصالحة". أحدنا يجب أن يُهزم، كلياً ونهائياً. هذه هي المعركة.
لا توجد منطقى وسطى بين الوطنية والعمالة، ولا تستقيم بينهما أية "مصالحة".
وسواء طال الوقت أم قصر، فان مقاومة كالتي خاضها العراقيون، لن تُهزم.
شيء من الشعور الوطني المجرد هو الذي يقترح هذه الثقة، وشيء من تفاؤل التاريخ أيضا.
avatar
المشرف العام
Admin

ذكر
عدد الرسائل : 28
العمر : 49
الموقع : http://misralhura.tk
العمل/الترفيه : صحفي
تاريخ التسجيل : 07/11/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://misralhura.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى